الثقة مغنم كبير - مقالة اجتماعية
الثقة مغنم كبير
(مقالة اجتماعية)
سطور للتأمل
بقلم الكاتبة والأديبة: مريم عبد الله النعيمي
كاتبة مستقلة
هل يمكن بناء علاقات قائمة على الثقة المتبادلة بدون توفر أسباب ومقومات تلك الثقة المتحققة؟
وهل يمكن الحفاظ على أي علاقة إنسانية ناجحة وفعالة دون توفر رصيد متراكم من الثقة المتبادلة بين الأطراف التي تنعم بعلاقة إنسانية دافئة وبناءة؟
إن الثقة المتبادلة في أي علاقة إنسانية هي مصدر من مصادر ازدهار تلك العلاقة بينما يؤدي انخفاض مستوى الثقة المتبادلة في أي علاقة إنسانية إلى ضعف وانكماش تلك العلاقة.
في التجارة على سبيل المثال نرى أن توفر الثقة بين المستثمر والمستهلك تؤدي إلى ازدهار التجارة ونموها.
كما أن المشفى الصحي الخاص تنمو أرباحه طرديا مع ارتفاع مؤشر الثقة به بين أفراد المجتمع.
في العلاقات الإنسانية تتحقق نتائج نوعية وذات قيمة كلما تحققت الثقة بين أطراف أي علاقة إنسانية.
وعلى مستوى العلاقات الزوجية تتحقق المودة وتزدهر المحبة وتنعم البيوت بالسعادة كلما ارتفع مؤشر الثقة بين الزوجين.
وفي العلاقات التربوية يصغي الأبناء للآباء والأمهات إذا وثقوا في قيمة توجيهاتهم والتي لن تكون قيمة لديهم إلا إذا كان مؤشر احترامهم لآبائهم وأمهاتهم مرتفعا نتيجة للثقة بهم.
في التعليم يستفيد الطالب أقصى استفادة من معلمه كلما زادت ثقته به.
وفي المدارس يعطي المعلم أقصى ما لديه من طاقة إذا كان واثقا من عدل الإدارات المدرسية.
وعلى مستوى الوظائف يقدم الموظف كل ما لديه من جهد إذا كان مطمئنا لعدل رؤسائه وإنصافهم، وأن جهده النوعي لن يضيع تحت أقدام الأهواء والأمزجة المتقلبة.
أما في مجال الشراكة التجارية فإن الأرباح تتضاعف كلما ارتفع مؤشر الثقة بين الشركاء، وقدم كل شريك أفضل ما لديه من دعم للمشروع المشترك بينه وبين شركائه الآخرين.
إن الثقة في العلاقات الإنسانية على تنوعها هي المفتاح الحقيقي لازدهار أي علاقة ونموها واطرادها.
وفي المقابل كلما ضعف مؤشر الثقة في أي علاقة إنسانية كلما أدى ذلك لتدهور في مستوى العلاقة وإضعافها .
لكن السؤال هنا: كيف تبنى الثقة بين الناس، وهل هي أمر سهل التحقق ومطلب يسير المنال؟
أم أن تحقق الثقة بين طرفين أمر يحتاج لجهد حقيقي ومستمر يبذله الطرفان الحريصان على نمو العلاقة الإنسانية وازدهارها؟
ولو شئنا عرض عوامل تحقق الثقة وتكونها لأتتنا الإجابة على النحو التالي :
أولا :الاحترام المتبادل بين أطراف العلاقة الإنسانية خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو التنازل عنه من قبل الجميع.
ثانيا: الإيمان بحرص كل طرف على مصلحة الطرف الآخر، وأن نوع العلاقة القائمة بين الطرفين هي علاقة تهدف لتحقق الربح المشترك.
ثالثا: الإصغاء الفعال وفتح المجال للحوار والنقاش الحر في أجواء مشجعة يسودها الود والتقدير المشترك.
رابعا: تحقيق أعلى مستوى من التعاون بين الطرفين بحيث أن لا يتم تكليف أحد الأطراف بجهد أو عمل يفوق طاقته.
خامسا: اختفاء روح الأنانية والتسلط والرغبة في العلو على الطرف الآخر بحيث يكون التواضع وخفض الجناح ونبل الأخلاق صفات يتحلى بها الطرفان.
سادسا: تغليب حسن الظن وعدم اتخاذ موقف القاضي أو وكيل النيابة أو المحقق من قبل أي طرف من الطرفين إذ تنهار الثقة في أجواء الريبة وسوء الظن .
سابعا: التخلي عن روح الأستاذية وتوجيه نصائح فوقية للطرف الآخر، فالنصيحة ترفض إذا ما كان قائلها يتقمص دور الأستاذ في معظم حالاته وكأنه مرجع للفضائل أو هو في موقف يستغني فيه دائما عن نصيحة الآخرين !!
إن التفاعل الإيجابي في تقديم النصيحة وقبولها هو معيار دقيق من معايير توفر الثقة بين طرفين أو انتفائها.
ثامنا: المصارحة والمكاشفة ومواصلة التعبير عما يدور في القلب من تساؤلات أو من هموم وخواطر، فكلما كان هناك بث للأفكار والخواطر كلما زاد مؤشر الثقة، وزادت قوة العلاقة التي تجمع بين كل طرف وآخر.
تاسعا: دفاع كل طرف عن الآخر بالغيب، وذلك ليس من باب التعصب أو الحب الأعمى، وإنما من باب الحرص على توفر الاحترام أثناء الاستماع للنقد إن كان جارحا وعدوانيا وغير نزيه.
يحضرني هنا ما فعله الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه في دفاعه الطويل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي أثمر عن قصائد شعرية أثنى فيها على سيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ودافع فيها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والإسلام دين الله الحق، فكانت أشعاره الصادقة عنوانا للحب الكبير، والثقة الكاملة بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما قاله حسان بن ثابت رضي الله عنه:
هجوتَ محمداً، فأجبتُ عنهُ، وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ، فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ
هجوتَ مباركاً، براً، حنيفاً، أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ، ويمدحهُ، وينصرهُ سواءُ
عاشرا: يجب أن تكون الألفاظ التي يستخدمها كل طرف نقية وخالية من أي كلمة نابية وغير مهذبة، فالتهذيب في الألفاظ مفتاح رئيسي للمحبة والاحترام.
وفي المقابل تمهد الألفاظ النابية لهدم جسور الثقة، فالتجريح هو إهانة متعمدة ويؤدي لهدم الثقة إن كانت موجودة.
الحادي عشر: المشاركة والمواساة سواء بالألفاظ والمشاعر، أم بالمال والدعم المادي، أو من أي نوع كان.
حيث تبنى الثقة وتزدهر كلما أظهر كل طرف مشاركته واهتمامه بما يمر به الطرف الآخر من أقدار، سواء كانت أقدارا مفرحة أم تجلب معها الحزن، فالمشاركة الوجدانية وإظهار الدعم بكل الطاقة الممكنة هي مفاتيح حقيقية تستقر في القلوب.
الثاني عشر: الانتقاد يكون للسلوك ولا يكون للأشخاص، فالانتقاد الإيجابي يكون بالطريقة اللائقة للسلوك.
والفصل بين الذات والسلوك أساس من أسس بناء الثقة بين طرفي كل علاقة ناجحة.
*جميع الحقوق محفوظة*
للتواصل: maryamalnaymi.pen@gmail.com
تعليقات
إرسال تعليق